كتب دينيز كاراكولوكجو أن العلاقات بين تركيا ومصر تشهد تحولًا متسارعًا بعد سنوات من التنافس الحاد، مع توسع التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي بين البلدين في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة بالمنطقة، خاصة حرب غزة والتوتر مع إيران، وهو ما يعكس تغيرًا في أولويات أنقرة والقاهرة وسعيهما إلى بناء شراكة أكثر استقرارًا دون أن تصل إلى مستوى التحالف العسكري.
ونشر موقع تركيا اليوم التقرير، موضحًا أن وزيري الدفاع التركي والمصري وقعا في أنقرة، خلال 13 يوليو، خطاب نوايا للتعاون الدفاعي، إلى جانب خطاب آخر للتعاون بين الصناعات الدفاعية في البلدين. كما جاء ذلك بعد استئناف مناورات "بحر الصداقة" البحرية عام 2025 عقب توقف دام ثلاثة عشر عامًا، وإجراء تدريبات جوية مشتركة ومناورات "النسر الذهبي" للقوات الخاصة خلال عام 2026، في مؤشر واضح على انتقال العلاقات من مرحلة الخصومة إلى التنسيق العسكري المنتظم.
من منافسة تاريخية إلى مصالحة استراتيجية
امتدت جذور التنافس بين إسطنبول والقاهرة إلى القرن التاسع عشر عندما تقدم جيش محمد علي داخل بلاد الشام والأناضول، ثم تجددت الخلافات خلال خمسينيات القرن الماضي مع صعود جمال عبد الناصر واختلاف رؤيته مع التوجهات التركية المرتبطة بالغرب وحلف شمال الأطلسي.
وازداد الخلاف مع تأسيس حلف بغداد، إذ اعتبرته أنقرة وسيلة لمواجهة التوسع السوفيتي، بينما رأت فيه القاهرة أداة لتعزيز النفوذ الغربي في المنطقة. كما بلغت الأزمة ذروتها خلال الأزمة السورية عام 1957 عندما حشدت تركيا قواتها قرب الحدود السورية، بينما دعمت مصر دمشق عسكريًا، دون أن تتطور المواجهة إلى صدام مباشر.
وعادت الخلافات بقوة بعد عام 2013 إثر اعتراض أنقرة على الانقلاب على الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، واستضافتها شخصيات ووسائل إعلام مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اعتبرته القاهرة تدخلًا في شؤونها الداخلية.
وفي ليبيا، دعمت تركيا حكومة طرابلس، بينما ساندت مصر قوات المشير خليفة حفتر، كما تصاعد التنافس في شرق البحر المتوسط بعد انضمام القاهرة إلى منتدى غاز شرق المتوسط مع اليونان وقبرص وإسرائيل، إلى جانب توقيعها اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية مع اليونان، وهو ما رأت فيه أنقرة محاولة لتقليص نفوذها البحري.
ورغم الخلافات السياسية، واصل التبادل التجاري نموه بصورة ملحوظة، إذ ارتفعت حصة الصادرات المصرية إلى تركيا، وأصبحت أنقرة ثالث أكبر سوق للصادرات المصرية وخامس أكبر مصدر للواردات، بينما اقترب حجم التجارة الثنائية من 11.14 مليار دولار بحلول عام 2020.
غزة وإيران تدفعان القاهرة وأنقرة نحو تعاون أوسع
بدأت المصالحة رسميًا عام 2021 عبر مشاورات بين كبار المسؤولين، ثم تصافح رجب طيب أردوغان وعبد الفتاح السيسي خلال كأس العالم في الدوحة عام 2022، قبل أن تستعيد الدولتان العلاقات الدبلوماسية الكاملة على مستوى السفراء عام 2023.
وساعدت التطورات الليبية على تقليل حدة التوتر، إذ احتفظت تركيا بنفوذها العسكري في الغرب الليبي، بينما واصلت مصر حضورها شرق البلاد، الأمر الذي دفع الجانبين إلى تبني نهج أكثر تنسيقًا بدلًا من المواجهة.
وفي فبراير 2026، أعلن البلدان رفع حجم التبادل التجاري إلى نحو 9 مليارات دولار، مع استهداف الوصول إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، إلى جانب توقيع اتفاقيات جديدة تشمل الدفاع والاستثمار والتجارة.
وأضفت حرب غزة بعدًا أمنيًا أكثر إلحاحًا على العلاقات الثنائية، بعدما رفضت مصر منذ الأيام الأولى للحرب تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وزادت العمليات العسكرية الإسرائيلية في رفح والسيطرة على محور فيلادلفيا ومقتل جندي مصري قرب الحدود من اتساع فجوة الثقة بين القاهرة وتل أبيب. وفي المقابل، وفر التقارب مع أنقرة قناة إضافية لحماية المصالح المصرية.
كما وسعت الحرب الإيرانية عام 2026 نطاق التعاون بين البلدين، بعد تعرض عدة دول بالمنطقة، بينها تركيا، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وما رافق ذلك من مخاوف على أمن الطاقة والملاحة في مضيق هرمز.
تقارب محسوب لا يصل إلى مستوى التحالف
أشارت تحليلات إسرائيلية إلى أن المخاوف المشتركة من الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية أسهمت في تقريب وجهات النظر بين القاهرة وأنقرة، بينما اعتبرت مراكز بحثية مصرية أن استئناف المناورات البحرية والتعاون في الصناعات الدفاعية يمثلان خطوة نحو تعزيز الردع في شرق البحر المتوسط، دون وجود مؤشرات على تخطيط عسكري مشترك ضد إسرائيل.
ويخلص التقرير إلى أن السنوات الماضية شهدت انشغال تركيا ومصر باحتواء نفوذ كل منهما، لكن الأزمات المتلاحقة في غزة والشرق الأوسط رفعت كلفة استمرار هذا النهج، لتدفع البلدين إلى توسيع التعاون الدفاعي والسياسي تدريجيًا، مع استمرار الحذر في تحويل هذا التقارب إلى تحالف عسكري كامل.
https://www.turkiyetoday.com/region/why-are-turkiye-and-egypt-moving-closer-3224067

